حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
305
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب ، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم . قوله عزّ من قائل وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ اللام للابتداء ، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو : لزيد قائم ، أو لتأكيد المضارع نحو : ليضرب زيد . لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى « قد » . ومعنى « اللام » في التحقيق ، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله . عن ابن عباس : إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام ، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها ، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة ، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول ، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد . فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة ، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال ، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا اللّه به إلا خيرا . فقيل لهم : لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك . فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا . قال بعضهم : وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك . والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه ، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد ، وإما الاصطياد مع استحلاله . وقوله كُونُوا المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] قِرَدَةً خاسِئِينَ خبر « إن » أي كونوا جامعين بين القردة ، والخسوء وهو الصغار والطرد . عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه : كن حمارا . واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس ، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنسانا ، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قردا . وأيضا لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا وذلك شك في المشاهدات . وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك ، إما جسماني سار في جميع البدن ، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ ، أو