حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

261

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النبي صلى اللّه عليه وسلم قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة . قيل : وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله لا تَقْرَبا تناولهما معا ، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله . فإن قيل : كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها ؟ قلت : إما لأنه دخل فم الحية خافيا عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيدا - عن أبي هريرة أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : ما سالمناهم منذ حاربناهم ، ومن ترك منهم شيئا خيفة فليس منا . يعني الحيات . وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة ، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس ، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما . وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة . وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه ، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس ، فمعصية إبليس بوسوسة من ؟ ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل . فإن قيل : كيف كانت الوسوسة ؟ قلنا : هي التي حكاها اللّه تعالى ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ [ الأعراف : 20 ] فلما لم يفد عدل إلى اليمين وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ] ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا اللّه منهم . ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا واللّه أعلم بحقائق الأمور . اهْبِطُوا خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة ، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك ، وقيل : خطاب لهما وللحية . وقيل : الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضا لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم ، والدليل عليه ما جاء في طه اهْبِطا مِنْها [ طه : 123 ] وقوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ [ طه : 123 ] وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم . و اهْبِطُوا أمر أو إباحة . والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف . وإنما قيل : إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم . ويمكن أن يقال : نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه ، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك . ومعنى بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ طه : 123 ] ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض . وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ]