حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
204
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
إنما يجوز أن تطلق على اللّه تعالى بعد الإذن الشرعي باعتبار النهايات لا باعتبار المبادئ . فحديث سلمان قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا » « 1 » إنما جاء على سبيل التمثيل لأنه مثل تركه تخييب العبد بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه . ومعنى قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها . ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا : أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ؟ فجاءت على سبيل المقابلة والطباق ، وهو فن بديع قال أبو تمام : من مبلغ أفناء يعرب كلها * أني بنيت الجار قبل المنزل فلولا بناء الدار لم يصح بناء الجار ، وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه : إذا ما استحين الماء يعرض نفسه * كر عن بسبت في إناء من الورد فيصف كثرة مياه الأمطار في طريقه ، وأنه أينما ذهب رأى الماء وكأنه يعرض نفسه على النوق فتستحيي فتكرع فيه مشافر كأنها السبت وهو الجلد المدبوغ بالقرظ ، وشبه الأرض وفيها الماء وحواليه الأزهار بإناء من الورد . وفيه لغتان : استحييت منه واستحييته وهما محتملتان هاهنا . وضرب المثل اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم ، وفي الحديث : ضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاتما من ذهب . و « ما » هذه إبهامية ، إذا اقترنت باسم نكرة زادته شياعا وعموما كقولك « أعطني كتابا ما » تريد أي كتاب كان ، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله فَبِما نَقْضِهِمْ [ النساء : 155 ] أي مثلا حقا أو البتة . وانتصب بَعُوضَةً بأنها عطف بيان و مَثَلًا وذلك أن ما يضرب به المثل قد يسمى مثلا كما يقال : حاتم مثل في الجود . أو مفعول ل يَضْرِبَ و مَثَلًا حال عن النكرة مقدمة عليها ، أو انتصبا مفعولين فجرى « ضرب » مجرى « جعل » . والبعوض في أصله صفة على فعول من البعض القطع فغلبت ، ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه وفي معناه البضع والعضب . ومن غرائب خلقه أنه مع صغره أعطي كل ما أعطي الفيل مع كبره ، ففيه إشارة إلى أن خلق أحدهما ليس أصعب من خلق الآخر ، وإشارة إلى حالة الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على
--> ( 1 ) رواه أبو داود في كتاب الوتر باب 23 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 104 . ابن ماجة في كتاب الدعاء باب 13 . أحمد في مسنده ( 5 / 438 ) .