حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
205
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
صورته « 1 » أي على صفته فأعطاه على ضعفه من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجا ليشاهد في مرآة نفسه جمال صفات ربه . ومن العجائب أن خرطومه في غاية الصغر ، ومع ذلك مجوف . ومع فرط صغره وكونه مجوفا يغوص في جلد الجاموس والفيل على ثخانته كما يضرب الرجل إصبعه في الخبيص ، وذلك لما ركب اللّه تعالى في رأس خرطومه من السم . وقوله فَما فَوْقَها أي فالذي هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب ، فإن القوم أنكروا تمثيل اللّه بكل هذه الأشياء ، أو أراد فما فوقها في الصغر كجناح البعوضة حيث ضربه صلى اللّه عليه وسلم مثلا للدنيا ، وهذا أولى لأن الآية نزلت في بيان أن اللّه تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير ، فيجب أن يكون المذكور ثانيا أحقر من الأول . والفاء هاهنا تفيد الترتيب في الذكر لأنه يذكر في هذا المقام الأخس فالأخس كقوله : « يا دار مية بالعلياء فالسند » لأنه يذكر في تعريف الأمكنة الأخص بعد الأعم ، فكأن العلياء موضع وسيع يشتمل على مواضيع منها السند . وَأَمَّا حرف فيه معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء ، وفائدته التوكيد . تقول : زيد ذاهب . فإذا قصدت التوكيد وأن الذهاب منه عزيمة قلت : أما زيد فذاهب ولذلك قال سيبويه في تفسيره . « مهما يكن من شيء فزيد ذاهب » وليس مراده من هذا التفسير أن « أما » بمعنى « مهما » « كيف » - وهذه حرف ومهما اسم - بل قصده إلى المعنى البحث أي إن يكن في الدنيا شيء يوجد ذهاب زيد فهذا ، جزم بوقوع ذهابه لأنك جعلت حصول ذهابه لازما لحصول أي شيء في الدنيا ، وما دامت الدنيا باقية فلا بد من حصول شيء فيها . ففي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق ، ونعي على الكافرين ورميهم بالكلمة الحمقاء . والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وحق الأمر ثبت ووجب . والضمير في أَنَّهُ الْحَقُّ للمثل ، أو ل أَنْ يَضْرِبَ و ما ذا فيه وجهان : أن يكون « ذا » اسما موصولا بمعنى الذي ، فيكون كلمتين : « ما » مبتدأ وخبره « ذا » مع صلته ، وأن تكون « ذا » مركبة مع « ما » مجعولتين اسما واحدا ، فيكون منصوب المحل في حكم « ما » وحده لو قلت : ما أراد اللّه ، وجوابه على الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب . وقد يجيء على العكس
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 242 ، 251 ) . البخاري في كتاب الاستئذان باب 1 . مسلم في كتاب البر حديث 115 .