حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

20

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وفي الحديث : « إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 1 » ولا خلاف في أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وأما الجن والشياطين فخلاف ذلك . قال صلى اللّه عليه وسلم في العظم : « إنه زاد إخوانكم من الجن » « 2 » وفي القرآن أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [ الكهف : 50 ] . وأما كيفية الوسوسة فيروى أن عيسى عليه السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم ، فأراه ذلك ؛ فإذا رأسه الحية واضع رأسه على قلبه فإذا ذكر اللّه خنس وأيس ، وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات » « 3 » وقال أيضا صلى اللّه عليه وسلم : « إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأمّا لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق . فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » ثم قرأ صلى اللّه عليه وسلم الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [ البقرة : 268 ] الآية ، فمن الخواطر ما هو أصل العادة ، ومنها ما هو أصل الشقاوة . وسبب اشتباه خطأ الخواطر بصوابها أحد أربعة أشياء : إما ضعف اليقين ، أو قلة العلم بصفات النفس وأخلاقها ، أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى ، أو محبة الدنيا وجاهها ومالها . فمن عصم من هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومن ابتلى بها فلا . واتّفق المحقّقون على أن من كان أكله من الحرام لا يفرق بين الإلهام والوسوسة وفرقوا بين هواجس النفس ووسوسة الشيطان بأن النفس تطالب وتلحّ ، فلا تزال كذلك حتى تصل إلى مرادها . والشيطان إذا دعا إلى زلّة ولم يجب ، يوسوس بأخرى إذ مراده الإغواء كيف أمكن . وحقيقة الوسوسة راجعة إلى أن الإنسان بينما هو ذاهل عن الشيء ذكره الشيطان ذلك فيحدث له ميل ، ويترتب الفعل على حصول ذلك الميل فكأن الذي أتى به الشيطان من خارج ليس إلا ذلك التذكير . وإليه الإشارة في القرآن حكاية عن إبليس وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ إبراهيم : 22 ] ، ولا يتسلسل هذا التذكير وإنما يقدم

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأحكام باب 21 . أبو داود في كتاب الصوم باب 78 . ابن ماجة في كتاب الصيام باب 65 . الدارمي في كتاب الرقاق باب 66 . أحمد في مسنده ( 3 / 156 ، 285 ) . ( 2 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 436 ، 458 ) . الترمذي في كتاب تفسير سورة 46 باب 3 . ( 3 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 353 ) بلفظ : « . . . يحومون على بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض » .