حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
21
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الشيطان على ذلك لعدم قابلية دفع في فطرته الأولى لحكمة علمها اللّه تعالى فيه . والمقصود من الاستعاذة لا ينحصر في دفع وسوسة الشيطان إلا أن ذلك معظم المقاصد ولهذا خص بالذكر في القرآن ، ولو نوى المستعيذ دفع جميع المضار الدنيوية والأخروية فلا ضير . نكت في الاستعاذة الأولى : « أعوذ باللّه » ، عروج من الخلق إلى الحق ومن الممكن إلى الواجب ، لأن « أعوذ » إشارة إلى الحاجة التامة وب « اللّه » إشارة إلى المعبود القادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ومن عرف نفسه بالضعف والقصور عرف اللّه بأنه قادر على كل مقدور . ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالجلال والكمال ، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب . الثانية : سر الاستعاذة الالتجاء إلى قادر يدفع عنك الآفات ، وقراءة القرآن من أعظم الطاعات . ولذلك جاء : « من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » « 1 » ، فلهذا خصت الاستعاذة بالقراءة . الثالثة : عند الفرار من العدوّ الغدّار يقول : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم . وبعد الاستقرار في حضرة الملك الجبار يقول : بسم اللّه الرحمن الرحيم . الرابعة : الاستعاذة تطهر اللسان عما جرى عليه من ذكر غير اللّه ، وإذا حصل الطهور استعد للصلاة الحقيقية وهي ذكر اللّه فيقول : بسم اللّه . الخامسة : العبد مأمور بمحاربة العدوّ الظاهر : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 29 ] ، وبمحاربة العدوّ الباطن : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] فإذا حاربت العدوّ الظاهر كان مددك الملك : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ آل عمران : 125 ] وإذا حاربت العدوّ الباطن كان مددك الملك إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] ومحاربة العدوّ الباطن أولى لأنّ العدوّ الظاهر إن غلب بقي الدين واليقين وكنا مأجورين ، وإن غلب العدوّ الباطن كنا مفتونين ، ومن قتله العدوّ الظاهر كان شهيدا ، ومن قتله العدوّ الباطن كان طريدا ، ولا خلاص من شره إلا بأن يقول : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » .
--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب تفسير سورة آل عمران باب 35 . رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب 25 . الدارمي في كتاب فضائل القرآن باب 6 .