حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

19

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن بالمدينة جنا قد أسلموا » « 1 » « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 2 » « ما منكم أحد إلا وله شيطان » . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلا أن اللّه أعانني عليه فاسلم » « 3 » . الوجه الثالث : قالوا : إخبار الأنبياء عنهم لا تفيد إثباتهم ، إذ على تقدير ثبوتهم يجوز أن يقال : كل ما أتى به الأنبياء فإنما حصل بإعانة الجن فمن الجائز أن حنين الجذع كان بسبب نفوذ الجن في الجذع ، وكلّ فرع أدّى إلى إبطال الأصل فهو باطل . والجواب أن الدليل الدال على صحة نبوة الأنبياء ، كما يجيء ، يدلّ على صدق أخبارهم . ومن جملة ما أخبروا عنه وجود الجن والشياطين فصحّ وجودهم . واعلم أن كثيرا من الناس أثبتوا موجودات لا متحيزة ولا حالة في المتحيز وزعموا أنها مجردات عن شوائب الجسمانيات وهم الملائكة المقربون الذين لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ [ الأنبياء : 19 ] ، ويليها مرتبة الأرواح المتعلّقة بتدبير الأجسام وأشرفها حملة العرش ، ثم الحافّون من حول العرش ، ثم ملائكة الكرسي ، ثم ملائكة السماوات طبقة فطبقة ، ثم ملائكة كرة الأثير ، ثم ملائكة كرة النسيم ، ثم ملائكة كرة الزمهرير ، ثم الملائكة المسلطة على البحار ، ثم على الجبال ؛ ثم مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية . وهذه الأرواح قد تكون مشرقة خيرة وهم من قبيل الملائكة ، وقد تكون مظلمة شريرة وهم شياطين الإنس والجن . ولفظ الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار لاستتارهم عن العيون ، ومنه المجنون لاستتار عقله ، والجنة لكونها ساترة للإنسان . وطوائف المكلفين أربعة : الملائكة والإنس والجن والشياطين . والاختلاف بين الجن والشياطين قيل بالذاتيات كما بين الإنسان والفرس ، وقيل بالعوارض ، فالجن خيارهم والشياطين أشرارهم . والمشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر ، لأنهم لو كانوا مجردين فلا استبعاد في كونهم متصرفين في باطن الإنسان وإن كانوا أجساما لطيفة ، فكذلك لا يبعد نفوذهم في باطن الآدمي . كيف وقد ورد في القرآن : لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [ البقرة : 275 ] ،

--> ( 1 ) رواه مالك في الموطأ في كتاب الاستئذان حديث 33 . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الأحكام باب 21 . أبو داود في كتاب الصوم باب 78 . ابن ماجة في كتاب الصيام باب 65 . الدارمي في كتاب الرقاق باب 66 . أحمد في مسنده ( 3 / 156 ، 285 ) . ( 3 ) رواه مسلم في كتاب المنافقين حديث 69 ، 70 . الترمذي في كتاب الرضاع باب 17 . النسائي في كتاب النساء باب 4 . الدارمي في كتاب الرقاق باب 25 ، 66 .