حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
174
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش فأطفأها اللّه وخيب أمانيهم . وإنما لم يقل ذهب اللّه بضوئهم على سياق « فلما أضاءت » لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأسا وطمسه أصلا ، فإن الضوء شدة النور وزيادته ، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون العكس . والفرق بين « أذهبه » و « ذهب به » أن معنى « أذهبه » أزاله وجعله ذاهبا ، ويقال : ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه . وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه . وما يمسك اللّه فلا مرسل له ، فهو أبلغ من الإذهاب ، وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد ، وإذا علق بشيئين كان مضمنا معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة : « فتركته جزر السباع ينشنه » ومنه قوله تعالى وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير ، وقيل : عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم « ما ظلمك أن تفعل كذا » أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية . وفي جمع الظلمة وتنكيرها واتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان ، وفي قوله « لا يبصرون » دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغا يبهت معها الواصفون . وكذا في إسقاط مفعول « لا يبصرون » وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعد أصلا . ومحل « لا يبصرون » إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئا ، وإما نصب مفعولا ثانيا ، أو حالا من هم مثل وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأعراف : 186 ] أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار . عن سعيد بن جبير : نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي صلى اللّه عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب ، فلما خرج كفروا به . وكان انتظارهم له كإيقاد النار ، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون ، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ، حيث سدوا عن الإصغاء إلى الحق مسامعهم ، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم ، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم . وإنما قلنا : إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة ، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ . ومعنى « لا يرجعون » لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلا عليهم بالطبع ، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدءوا منه كيف يرجعون . وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم