حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
175
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
« 1 » ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له من صفات القلب شوارق الشوق ، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق ، فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة ، فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه . ثم إن اللّه تعالى ضرب للمنافقين مثلا آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف ، وإيضاحا غب إيضاح ، لأن المقام مقام تفصيل وإشباع . فيكون تقدير الكلام « مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ذوي صيب » على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في صحة التشبيه بهما ، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعا نحو : جالس الحسن أو ابن سيرين . والتمثيلان جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون المفردة ، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به ، بل تراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب . ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال ، ولا يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ، ولذلك أخرج تدرجا من الأهون إلى الأغلظ ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث قلنا : أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به . ألا ترى إلى قوله تعالى إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ [ يونس : 24 ] كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب لأن الضمير في « يجعلون » لا بد له من راجع هذا هو التحقيق . وقد يقال : شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يحوم حوله من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق ، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق . وعلى هذا يكون تقدير المضاف ضروريا ليصبح تشبيه المنافقين بهم ، ويكون المعنى « مثلهم كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة ، فلقوا منها ما لقوا » ويكون ذكر المشبهات مطويا على سنن الاستعارة . والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع . ويقال للسحاب : صيب أيضا . وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول . والسماء هذه المظلة ، والفائدة في ذكره ، والصيب لا يكون إلا من السماء ، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق ، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء . وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على « فيعل » والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقا ، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية على العناصر بإذن اللّه تعالى فحركتها
--> ( 1 ) قوله ومثله حال مريد إلخ كذا في الأصل ولعل في العبارة سقطا أو تحريفا وحرر كتبه مصححه .