حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

171

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بأنه لم يقسرهم ، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى اللّه تعالى لأنه بتمكينه وإقداره ، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف ، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب . ومن هذا القبيل ما قيل : إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم ، وأن اللّه بريء منه ، فإن الانتهاء إلى اللّه تعالى لما كان ضروريا فكيف يتبرأ من ذلك ؟ « ويعمهون » في موضع الحال . والعمة كالعمى ، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي ، والعمة في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه . وثالثها : قوله « أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى » أي اختاروها عليه واستبدلوها به ، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم : أخذت بالجمة رأسا أزعرا * وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمرا جيدرا * كما اشترى المسلم إذ تنصرا وعن وهب قال اللّه تعالى فيما يعيب به بني إسرائيل : تفقهون لغير الدين ، وتعلمون لغير العمل ، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة . جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم ، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء . وفي المثل « ضل دريص نفقة » أي جحره ، والدرص ولد الفأرة ونحوها ، يضرب لمن يعيا بأمره . فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين . والربح الفضل على رأس المال ، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسنادا مجازيا لملابسة التجارة بالمشترين . وقد يقال : ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازا إذا دلت الحال . ولما ذكر اللّه سبحانه شراء الضلالة بالهدى مجازا أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله : ولما رأيت النسر عز ابن دأية * وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر ، والشعر الفاحم بالغراب ، أتبعه ذكر التعشيش والوكر . « وما كانوا مهتدين » لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان : سلامة رأس المال والربح . وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معا ، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة ، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض ، فلا ربح ولا رأس المال . وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين ، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين ، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، وإذا أقبل الليل من هاهنا أدبر النهار من هاهنا نعوذ باللّه من الغواية ، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية .