حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

170

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

استئناف كأنه قيل : ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام ؟ فقالوا : إنما نحن مستهزءون . والاستهزاء السخرية والاستخفاف ، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع . ثم إن اللّه تعالى أجابهم بأشياء : أحدها قول اللّه « يستهزئ بهم » وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة ، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم ؟ فقيل : اللّه يستهزئ بهم . وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر ، أن اللّه عز وجلّ هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم . وفي تخصيص اللّه بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن اللّه هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله . فإن قيل : الاستهزاء جهالة قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] فما معنى استهزاء اللّه بهم ؟ قلنا : معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] أو عاملهم اللّه معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها ، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار ، فتح اللّه من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله تعالى فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ [ المطففين : 34 ] فهذا هو الاستهزاء ، وإنما لم يقل اللّه مستهزئ ليكون طبقا لقوله « إنما نحن مستهزءون » لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتا بعد وقت ، وهكذا كانت نكايات اللّه فيهم ونزول الآيات في شأنهم أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ [ التوبة : 26 ] يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ [ التوبة : 64 ] وثانيها قوله « ويمدهم في طغيانهم » هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه ، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما . وإنما قلنا : إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [ الأعراف : 202 ] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف ، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله . والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ ، ومعنى مدد اللّه تعالى إياهم في الطغيان يعرف من تفسير خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين ، فسمي ذلك التزايد مددا . أو