حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
135
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الأول في الإعراب ، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها فقد جاء عنهم « اللّه لأفعلن » مجرورا غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة ، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين . وهذه الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها ، لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب « صاد » مثلا فإنه يكتب مسماها ص . وأيضا اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها ، وأيضا خطان لا يقاسان ، خط المصحف لأنه سنة ، وخط العروض لأن المعتبر هناك الملفوظ . ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة ، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن تأليفها مع ما بعدها اللّه حسبي . البحث الثاني في قوله . « ذلك الكتاب » وفيه مسائل : الأولى : إنما صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى « ألم » بعد ما سبق التكلم به ، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك كذا ، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا : احتفظ بذلك ، أو لأنه وإن كان حاضرا نظرا إلى ألفاظه لكنه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه ، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي ، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة . وقد يسمى بعض القرآن قرآنا ، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [ المزمل : 5 ] أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن اللّه سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل ، أو المراد أن هذا المنزل هو ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [ الزخرف : 4 ] . الثانية : إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة في بعض الوجوه نظرا إلى صفته وهو الكتاب كقولك « هند ذلك الإنسان » قال الذبياني : نبئت نعمي على الهجران عاتبة * سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري وإن جعلت الكتاب خبرا فنظرا إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم : « من كانت أمك » . الثالثة : للقرآن أسماء كثيرة منها : الكتاب - وقد تقدم - ومنها الفرقان تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ [ الفرقان : 1 ] لأنه نزل متفرقا في نيف وعشرين سنة ، أو لأنه يفرق بين الحق والباطل . ومنها التذكرة والذكرى والذكر وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [ الحاقة : 48 ] وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ