حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

120

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

فيتجلى له نور الأزل والأبد ، ثم ليقل « وتعالى جدك » إشارة إلى أنه أعلى وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور ، ثم ليقل « ولا إله غيرك » إشارة إلى أن صفات الجلال وسمات الكمال له تعالى لا لغيره ، فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو ، وهاهنا يكل اللسان وتدهش الألباب ، ثم عد أيها المصلي إلى نفسك وحالك وقل « وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض » فقولك « سبحانك اللهم وبحمدك » معراج الملائكة المقربين حيث قالوا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] وهو أيضا معراج محمد صلى اللّه عليه وسلم لأن معراجه مفتتح بقوله « سبحانك اللهم وبحمدك » وقولك « وجهت وجهي » معراج الخليل صلى اللّه عليه وسلم ، وقولك « إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي » معراج الحبيب محمد صلى اللّه عليه وسلم . فقد جمع المصلي بين معراج الملائكة المقربين ومعراج عظماء الأنبياء والمرسلين ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » لتدفع العجب عن نفسك ، وفي هذه المقام يفتح لك أحد أبواب الجنة وهو باب المعرفة ، وبقولك « بسم اللّه الرحمن الرحيم » يفتح باب الذكر ، وبقولك « الحمد للّه رب العالمين » يفتح باب الشكر ، وبقولك « الرحمن الرحيم » يفتح باب الرجاء ، وبقولك « مالك يوم الدين » يفتح باب الخوف ، وبقولك « إياك نعبد وإياك نستعين » بفتح باب الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وبقولك « اهدنا الصراط المستقيم » يفتح باب الدعاء والتضرع ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] وبقولك : « صراط الذين أنعمت » إلخ . يفتح باب الاقتداء بالأرواح الطيبة والاهتداء بأنوارهم ، فجنات المعارف الربانية انفتحت لك أبوابها الثمانية بهذه المقاليد الروحانية ، فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة ، وأما الجسماني فأولى المراتب أن تقوم بين يدي اللّه كقيام أصحاب الكهف إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الكهف : 14 ] بل قيام أهل القيامة يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ المطففين : 6 ] ثم اقرأ « سبحانك اللهم وبحمدك » ثم « وجهت وجهي » ثم « الفاتحة » وبعدها « ما تيسر لك من القرآن » واجتهد في أن تنظر من اللّه إلى عبادتك حتى تستحقرها ، وإياك أن تنظر من عبادتك إلى اللّه فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين وهذا سر قوله : « إياك نعبد وإياك نستعين » واعلم أن نفسك إلى الآن جارية مجرى خشبة عرضتها على نار خوف الجلال فلانت ، فاجعلها منحنية بالركوع ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى ، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض طاعة اللّه إلى نفسك « فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بغاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو وقل : « سبحان ربي الأعلى » فإذا سجدت ثانية حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة . ركوع واحد وسجدتان ،