حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

121

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات ، وبالسجود الأول من عقبة العضب الذي هو رئيس المؤذيات ، وبالسجود الثاني تنجو من عقبة الهوى الداعي إلى كل المضلات . فإذا تجاوزت هذه الصفات وتخلصت عن هذه الدركات ، وصلت إلى الدرجات العاليات وملكت الباقيات الصالحات ، وانتهيت إلى عقبة جلال مدبر الأرض والسماوات ، فقل عند ذلك « التحيات المباركات » باللسان ، و « الصلوات » بالأركان و « الطيبات » بالجنان وقوة الإيمان باللّه ، فيصعد نور روحك وينزل نور روح محمد صلى اللّه عليه وسلم فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والريحان فقل « السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته » فعند ذلك يقول محمد صلى اللّه عليه وسلم « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » فكأنه قيل لك : بم نلت هذه الكرامات ؟ فقل : بقولي : « أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له واشهد أن محمدا رسول اللّه » فقيل : إن محمدا الذي هداك أي شيء هديتك له صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقل « اللهم صل على محمد وآل محمد » ، فقيل لك : إن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم وهو الذي قال رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [ البقرة : 129 ] فما جزاؤك له صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقل « كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين » فيقال لك : هذه الخيرات من محمد وإبراهيم أو من اللّه ؟ فقل : بل من الحميد المجيد « إنك حميد مجيد » . ثم إن العبد إذا ذكر اللّه تعالى بهذه الأثنية والمدائح ذكره اللّه تعالى في محافل الملائكة « إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه » « 1 » فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى العبد فقال اللّه تعالى : إن الملائكة اشتاقوا إلى زيارتك وقد جاءوك زائرين فابدأ بالسلام عليهم لتكون من السابقين ، فقل عن اليمين وعن الشمال « السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته » فلا جرم إذا دخل المصلون الجنة فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتهم فنعم عقبى الدار . المنهج الثامن : أعظم المخلوقين جلالة ومهابة المكان والزمان ، فالمكان فضاء لا نهاية له ، وخلاء لا غاية له ، والزمان امتداد وهمي شبيه بنهر خرج من قعر جبل الأزل فامتد ودخل في قعر الأبد ، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا لاستقراره منزل . فالأول والآخر صفة الزمان ، والظاهر والباطن صفة المكان ، وكمال هذه الأربعة « الرحمن الرحيم » فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا ، ووسع الزمان أولا وآخرا ، وهو منزه عن الافتقار إلى المكان والزمان ، فإنه كان ولامكان ولا زمان ، فعقد المكان بالكرسي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] وعقد الزمان بالعرش وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] لأن جري الزمان يشبه جري الماء ، فالعلو صفة الكرسي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ [ البقرة : 255 ] والعظمة صفة العرش رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ التوبة : 129 ] وكمال العلو والعظمة للّه

--> ( 1 ) المصدر السابق .