حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

117

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية ، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] فلا جرم أنزل اللّه تعالى هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه العبد في الوفاء بذلك العهد وقوله « إذا قال العبد : بسم اللّه الرحمن الرحيم يقول اللّه ذكرني عبدي » مناسب لقوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ « 1 » « أنا جليس من ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » والذكر مقام عال شريف ذكره اللّه تعالى في القرآن كثيرا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [ الأحزاب : 41 ] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ [ الأعراف : 205 ] تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الأعراف : 201 ] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 191 ] ولهذا وقع الابتداء به . وقوله « ذكرني عبدي » دل على أن ذاته المخصوصة صارت مذكورة بقوله « بسم اللّه الرحمن الرحيم » وهذا يدل على أن اللّه اسم علم . وقوله « إذا قال : اللّه رب العالمين يقول اللّه : حمدني عبدي » يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر لأنه أو كلام في أول خلق العالم حيث قالت الملائكة : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] وآخر كلام في الجنة وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] ولأن الفكر في ذات اللّه تعالى غير ممكن « تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في اللّه » وكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فيحمد اللّه تعالى أكثر ، فقوله « حمدني عبدي » شهادة من اللّه تعالى على وقوف العبد بعقله وفكره على وجوه فضله وإنعامه في ترتيب العالم وتربية العالمين ، وأنه أقر بقلبه ولسانه بكرمه وإحسانه . قوله « وإذا قال : الرحمن الرحيم » « يقول اللّه : عظمني عبدي » يدل ذلك على أن الإله الكامل المكمل المنزه عن الشريك والنظير والمثل والند والضد ، هو في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده . ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام وهو التعظيم للّه . وقوله « وإذا قال : مالك يوم الدين يقول اللّه : مجدني عبدي » أي نزهني وقدسني عن الظلم وعن شبهة الظلم حيث قضيت معادا يحشر إليه العباد ويقضي فيه بين الظالم والمظلوم والقوي والضعيف . أيحسب الظالم في ظلمه * أهمله القادر أم أمهلا ما أهملوه بل لهم موعد * لن يجدوا من دونه موئلا

--> ( 1 ) رواه مسلم في كتاب الذكر حديث ( 3 ، 18 ) . البخاري في كتاب التوحيد باب 15 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 131 . ابن ماجة في كتاب الأدب باب 53 . أحمد في مسنده ( 2 / 251 ، 405 ) .