حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

118

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وقوله « وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال اللّه هذا بيني وبين عبدي » معناه أن « إياك نعبد » يدل على إقدام العبد على الطاعة والعبادة ولا يتم ذلك إلا بإعانة اللّه بخلق داعية فيه خالصة عن المعارض ، فإن العبد غير مستقل بالإتيان بذلك العمل فهو المراد من قوله « وإياك نستعين » وقوله « وإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم يقول اللّه : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » تقريره أن أهل العلم مختلفون بالنفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية أو أكثرها ، وفي المعاد والنبوات وغيرها مع استواء الكل في العقل والنظر . فالاهتداء إلى ما هو الحق في الأمر نفسه ليس إلا بهداية اللّه تعالى وإرشاده كما قالت الملائكة سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] وقال إبراهيم عليه السلام لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [ الأنعام : 77 ] وقال موسى رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [ طه : 25 ، 26 ] . المنهج الخامس : آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة في الصلاة أيضا سبعة : القيام والركوع والانتصاب منه والسجود الأول والانتصاب منه والسجود الثاني والقعدة . فهذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح ، وإنما يحصل الكمال عند اتصال الروح بالجسد ، فقوله « بسم اللّه الرحمن الرحيم » بإزاء القيام ، ألا ترى أن الباء في بسم اللّه لما اتصل باسم اللّه حصل قائما مرتفعا . وأيضا التسمية لبداية الأمور « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم اللّه أبتر » والقيام أيضا أول الأعمال . وقوله « الحمد للّه رب العالمين » بإزاء الركوع لأن الحمد في مقام التوحيد نظرا إلى الحق وإلى الخلق والمنعم والنعمة ، لأنه الثناء على اللّه بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد ، فهو حالة متوسطة بين الإعراض والاستغراق ، كما أن الركوع متوسط بين القيام والسجود ، وأيضا ذكر النعم الكثيرة مما يثقل الظهر فينحني وقوله « الرحمن الرحيم » مناسب للانتصاب ، لأن العبد لما تضرع إلى اللّه بالركوع فاللائق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قال العبد : سمع اللّه لمن حمده نظر اللّه إليه بالرحمة » وقوله « مالك يوم الدين » مناسب للسجدة الأولى لدلالته على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع . وقوله « إياك نعبد وإياك نستعين » مناسب للقعدة بين السجدتين لأن إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت و « إياك نستعين » استعانة باللّه في أن يوفقه للسجدة الثانية ، وقوله « اهدنا الصراط المستقيم » سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية ليدل على نهاية الخشوع . وقوله « صراط الذين أنعمت عليهم » إلخ . مناسب للقعود لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابله اللّه بالإكرام والقعود بين يديه وحينئذ يقرأ « التحيات للّه » كما أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قرأها في معراجه فالصلاة معراج المؤمن .