حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

111

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يرجى أن يكون كذلك في الآخرة وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] . الثالثة : الخط المستقيم أقرب خط يصل بين النقطتين ، والعبد عاجز فلا يليق بضعفه إلا الطريق المستقيم . وأيضا المستقيم واحد وما سواه معوجة يشبه بعضها بعضا في الاعوجاج ، فكان أبعد من الخوف وأقرب إلى الخلاص . وأيضا ميل الطباع إلى الاستقامة أكثري فلهذه الأسباب سئل الصراط المستقيم . الحادي عشر في فوائد قوله « صراط الذين أنعمت عليهم » . الأولى : حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولا على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق الشكر . ثم نقول : كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من اللّه تعالى لقوله وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] ولأن الواصل من جهة غير اللّه ينتهي إليه أيضا لأنه الخالق لتلك النعمة ، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك الإنعام فيه . والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضا من اللّه تعالى لأنها بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار . وأول نعمة من اللّه تعالى على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن المضارّ قال تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] ثم عقب ذلك بقوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] . الثانية : هل للّه تعالى على الكافر نعمة أم لا ؟ أنكر ذلك بعض أصحابنا لوجوه منها : قوله « صراط الذين أنعمت عليهم » فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى . والجواب أن قوله « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » يدفع ذلك ، ومنها قوله وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [ آل عمران : 178 ] والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيرا ونعمة لهم أن لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة ، فإن الإملاء تأخير النقمة بعد ثبوت استحقاقها ، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك . على أن نفس الإملاء أيضا تمتيع حالي قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ [ البقرة : 126 ] وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن ، وإنما هو كمن ناول شخصا حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضا وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « نعم