حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

112

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

المال الصالح للرجل الصالح » « 1 » وكيف لا تعم نعم اللّه تعالى وقد قال على العموم : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [ البقرة : 21 ، 22 ] وقال : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم . وقال : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [ الأعراف : 17 ] والشكر لا يكون إلا بعد النعمة . الثالثة : ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله « أنعمت عليهم » ؟ قلنا : يتناول كل من كان للّه عليه نعمة دينية ودنيوية . ثم إنه يخرج بقوله « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم اللّه عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع ، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات . وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ النمل : 80 ] وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ فاطر : 22 ] وكما أن حياة البدن من اللّه فكذا الإيمان منه وبتوفيقه . وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب . والمؤمن لا يبقى مخلدا في النار ، فإن من شرفه اللّه تعالى بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام ، فما الإنعام إلا بالإتمام . قيل : لو كان رعاية الأصلح على اللّه واجبا لم يكن ذلك إنعاما لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاما . قلت : النزاع لفظي لأن الأصلح لا بد أن يصدر عنه ، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه . الثاني عشر في فوائد قوله « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » . الأولى : من المغضوب عليهم ومن الضالون ؟ قلت : المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود ، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى . وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد ، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك . وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال ، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ [ الأنعام : 71 ] فاليهود فرطوا في شأن نبي اللّه ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم اللّه من عدوّهم يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [ الأعراف : 138 ] لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] ولهذا قال عز

--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 197 ، 202 ) .