حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

110

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه . وأيضا كأن العبد يقول : الأحباب يدعونني إلى طريق ، والأعداء إلى طريق ثان ، والشيطان إلى ثالث . وكذا القول في الشهوة والغضب والاعتقادات والآراء ، والعقل ضعيف ، والعمر قصير ، والقضاء عسير ، فاهدني هذا الطريق السوي الذي لا أزيغ به . حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت اللّه ، فإذا أعرابي على ناقة له . فقال : يا شيخ إلى أين ؟ فقال : إلى بيت اللّه . قال : كأنك مجنون ، لا أرى لك مركبا ولا زادا والسفر طويل ! فقال إبراهيم : إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها . قال : وما هي ؟ قال : إذا نزلت عليّ بلية ركبت مركب الصبر ، وإذا أسديت إليّ نعمة ركبت مركب الشكر ، وإذا ألم بي القضاء ركبت مركب الرضا ، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى . فقال الأعرابي : سر بإذن اللّه فأنت الراكب وأنا الراجل . وقيل : الصراط القرآن أو الإسلام وليس بشيء ، إذ يصير المعنى اهدنا صراط المتقدمين ، مع أنه لم يكن لهم قرآن ولا إسلام ، اللهم إلا أن يراد أصول هذه الشريعة وقوانينها كما قال فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] . وعن علي كرم اللّه وجهه : ثبتنا على الهداية كقوله رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [ آل عمران : 8 ] فكم من عالم يزل ومهتد يضل . وفي اختيار لفظ الصراط دون الطريق أو السبيل ، تذكير للصراط الذي هو الجسر الممدود بين طرفي جهنم ، سهل اللّه تعالى علينا عبوره ووروده . الثانية : إنما قبل « اهدنا » بلفظ الجمع لأن الدعاء متى كان أعم كان إلى الإجابة أقرب ، ولهذا قال بعض العلماء لتلميذه : إذا قلت قبل القراءة « رضي اللّه عنك ، وعن جماعة المسلمين » فإياك وأن تنساني في قولك « وعن جماعة المسلمين » فإن ذلك أوقع عندي من قولك « رضي اللّه عنك » ، لأن هذا تخصيص بالدعاء ويجوز أن لا يقبل ، وأما قولك « وعن المسلمين » فإنه أرجى لأنه لا بد أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة ، وإذا أجاب اللّه دعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي . ومن هنا ورد في السنة أن يصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل كل دعاء وبعده ، لأن الدعاء في الطرفين مستجاب البتة لأنه في حق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيستجاب الوسط بتبعية ذلك لا محالة . وأيضا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ادعوا اللّه بألسنة ما عصيتموه بها » . قالوا : يا رسول اللّه ، ومن لنا بتلك الألسنة ؟ قال : يدعو بعضكم لبعض لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك » وأيضا « الحمد للّه » شامل لحمد جميع الحامدين ، و « إياك نعبد » لعبادة الجميع ، « وإياك نستعين » لاستعانة الكل ، فلا جرم لما طلب الهداية طلبها للكل كما طلب الاقتداء بالصالحين جميعا في قوله : « صراط الذين أنعمت عليهم » والفرار من الطالحين جميعا في قوله : « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » . وإذا كان كذلك في الدنيا