حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

105

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ارتفعت منزلتك عندنا ، فلا تقتصر على إصلاح حالك بل عليك بالسعي في إصلاح حال جميع إخوانك فقل : « إياك نعبد وإياك نستعين » . ومنها أن العبد يقول : إلهي عبادتي مخلوطة بالتقصير وإني أخلطها بعبادة جميع العابدين ، فلا يليق بكرمك أن تميز بين العبادات ، ولا أن ترد الكل وفيها عبادة الأنبياء والأولياء بل الملائكة المقربين . وهذا كما أن الرجل إذا باع من غيره عشرة أعبد ، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو يرد الكل وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة . الرابعة : من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها وثقل عليه الاشتغال بغيرها لأن الكمال محبوب لذاته وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بخدمة مولاه ، فإنه يستنير قلبه بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد ورد « من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار » وأيضا التكاليف أمانة إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [ الأحزاب : 72 ] وأداء الأمانة واجب عقلا وشرعا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] وأداء الأمانات من أحد الجانبين سبب لأدائها من الجانب الآخر . قال بعض الصحابة : أتى أعرابي باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا ، فلما خرج لم يجد الناقة فقال : إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي ؟ قال الراوي : فزدنا تعجبا ، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه . وقال صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس : « يا غلام احفظ اللّه في الخلوات يحفظك في الفلوات » . وأيضا الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور ، وركون من الخلق إلى حضرة الحق ، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة . ( يحكى ) عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وهو في الصلاة فلم يشعر به . ووقعت الأكلة في بعض أعضاء عبد اللّه بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فقطع وهو في الصلاة ولم يشعر به . وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزا كأزيز المرجل . ومن استبعد فليقرأ قوله تعالى فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [ يوسف : 31 ] فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال اللّه وعظمته إذا تجلى على قلب الموحد العابد ؟ ! وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين ؟ ! واعلم أن العبادة لها ثلاث درجات ، لأنه إما أن يعبد اللّه رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه ، ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعا فيما هو أشرف منها وأدوم ، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين . وإما أن يعبد اللّه تشرفا بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه ، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية . وإما أن