حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

106

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يعبد اللّه لكونه إلها ولكونه عبدا له ، والإلهية توجب العزة والهيبة ، والعبودية تقتضي الخضوع والذلة ، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها الإشارة بقول المصلي : أصلي للّه فإنه لو قال : أصلي لثواب اللّه أو هربا من عقابه فسدت صلاته . ( يحكى ) أن عابدا في بني إسرائيل اعتزل وعبد اللّه تعالى سبعين سنة ، فأرسل اللّه تعالى إليه ملكا فقال : إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا تجاهد ، فأجاب العابد بأن الذي عليّ هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما عليّ ، فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود . فرجع الملك فقال اللّه : بم أجاب العابد ؟ فقال : أنت أعلم يا رب ، إنه قال كذا وكذا . فقال اللّه تعالى : ارجع إليه وقل له : قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك . والتحقيق أن إثبات نسبة الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين . وفي العبادة انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين . قال عزّ من قائل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 97 - 99 ] ولأن العبودية أشرف المقامات . مدح اللّه تعالى نبيه في قوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [ مريم : 30 ] وكان عليّ يقول : كفاني فخرا أن أكون لك عبدا وكفاني شرفا أن تكون لي ربا . اللهم إني وجدتك إلها كما أردت ، فاجعلني عبدا كما أردت . ومنهم من قال : العبودية أشرف من الرسالة ، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق ، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق ، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات ، وبالرسالة يقبل على التصرفات ، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد « أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله » لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النساء : 172 ] . التاسع : في فوائد قوله « وإياك نستعين » . الأولى : لا شك أن للعبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك ، وإنما يحصل الرجحان بمرجح . ولو كان ذلك المرجح من عند العبد عاد التقسيم ، فلا بد أن ينتهي إلى اللّه تعالى . وأيضا كل الخلائق يطلبون طريق الحق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب ، ولا يفوز به إلا بعضهم ، فليس ذلك إلا بإعانة الحق . وأيضا قد يطلب الإنسان حاجة من غيره ويدافعه مدة مديدة ثم يقضي حاجته ، فإلقاء تلك الداعية في القلب ليس إلا من اللّه ، فثبت أنه لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه ، ولا قوة على طاعة اللّه إلا بتوفيق اللّه . وتظهر فائدة الاستعانة في أنه ربما جعل اللّه تعالى ذلك واسطة إلى نيل المطلوب كالشبع الحاصل عقيب أكل الطعام ونحوه ، فيسقط اعتراض الجبري والقدري فافهم .