حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
101
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
إذا نوى مولاه السفر ، ومقيما إذا نوى الإقامة . حجة من قرأ « ملك » أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكا ، والملك لا يكون إلا أعلاهم شأنا . وأيضا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ [ الناس : 1 ، 2 ] لم يقرأ فيه غير « ملك » فتعين . وأيضا الملك أقصر ومالك يلزم منه تطويل الأمل فإنه يمكن أن يدركه الموت قبل تمام التلفظ به . وأجيب بأن العزم يقوم مقام الفعل لو مات قبل الإتمام ، كما لو نوى بعد غروب الشمس صوم يوم يجب صومه بخلاف ما لو نوى في النهار عن الغد . ثم يتفرع على كل من القراءتين أحكام ، أما المتفرعة على الأول فقراءة « مالك » أرجى من قراءة « ملك » لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأسا برأس ، والمالك يطلب العبد منه الكسوة والطعام والتربية والإنعام « يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم » « 1 » والملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه ، والملك لا يختار من العسكر إلا كل قوي سويّ ويترك من كان مريضا عاجزا ، والمالك إن مرض عبده عالجه ، وإن ضعف أعانه . الملك له هيبة وسياسة ، والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة . وأما المتفرعة على الثانية فإنه في الدنيا ملك الملوك قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] وفي الآخرة لا ملك إلا هو لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] وملكه لا يشبه ملك المخلوقين لأنهم إذ بذلوا قلّت خزائنهم ونفدت ذخائرهم ، وأنه سبحانه كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكا . فإن أعطاك عشرة أولاد زاد في ملكه عشرة أعبد . ومن لوازم ملكه كمال الرحمة فلهذا قرن بقوله « ملك يوم الدين » قوله « رب العالمين الرحمن الرحيم » ومثله الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [ الفرقان : 26 ] قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ [ الناس : 1 ، 2 ] فمن اتصف بهذه الصفة من ملوك الدنيا صدق عليه أنه ظل اللّه في الأرض . الكفر سبب لخراب العالم تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم : 90 ] والطاعة تتضمن صلاح المعاش والمعاد مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النحل : 97 ] فعلى الناس أن يطيعوا ملوكهم ، وعلى الملوك أن يطيعوا مالك الملك حتى تنتظم أمور معاشهم ومعادهم لما وصف نفسه بأنه « ملك يوم الدين » أظهر للعالمين كمال عدله بنفي الظلم تارة وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق : 29 ] وبثبوت العدل أخرى وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ الأنبياء : 47 ] فلا
--> ( 1 ) رواه مسلم في كتاب البر حديث 55 . أحمد في مسنده ( 5 / 161 ) .