حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
102
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
خلة للملك أعم نفعا وأتم وقعا من أن يكون عادلا . ومن هنا تظهر البركة في العالم أو ترتفع إن كان السلطان عادلا أو جائرا . يحكى أن أنوشروان خرج يوما إلى الصيد وانقطع عن عسكره واستولى عليه العطش ، فرأى بستانا فيه رمان . فلما دخله قال لصبي فيه : أعطني رمانة ، فأعطاه فعصرها وأخرج منها ماء كثيرا ، فشربه وأعجبه ذلك ، فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه . ثم قال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصا . فقال : أيها الصبي ، لم صار الرمان هكذا ؟ فقال الصبي : فلعل ملك البلد عزم على الظلم فلشؤم ظلمه صار هكذا ، فتاب أنوشروان في قلبه وأناب ، وقال للصبي : أعطني رمانة أخرى فعصرها فوجدها أطيب من الأولى فقال للصبي : لم بدلت هذه الحالة ؟ فقال : لعل الملك تاب عن ظلمه . فلما وجد أنوشروان مقالة الصبي مطابقة لأحواله في قلبه تاب بالكلية ، فكان من ميامن عدله أن ورد في حقه قول نبينا صلى اللّه عليه وسلم « ولدت في زمن الملك العادل » . الثالثة : كونه مالكا وملكا معناه أنه قادر على ترجيح جانب وجود الممكنات على عدمها ، وأنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة كما يشاء من غير مانع ولا منازع . وعلى قضية الحكمة والعدالة فهو الملك الحق وأنه ملك يوم الدين أيضا ، لأن القدرة على إحياء الخلق بعد إماتتهم والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس لا يختص به أحد غيره ، فإذا كان الحشر والنشور لا يتأتى إلا بعلم يتعلق بجميع المعلومات وقدرة تنفذ في كل الممكنات ، فلا مالك ليوم الدين إلا اللّه . فإن قيل : لا يكون مالكا إلا إذا كان المملوك موجودا لكن القيامة غير موجودة فينبغي أن يقال « مالك يوم الدين » بالتنوين بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيد كان إقرارا ، ولو قال : أنا قاتل زيدا كان تهديدا . قلنا : لما كان قيام القيامة أمرا حقا لا يجوز الإخلال به في الحكمة ، جعل وجوده كالشئ القائم في الحال . ولو قيل : من مات فقد قامت قيامته زال السؤال . الرابعة : قالت القدرية : إن كان الكل من اللّه فثواب الرجل على ما لم يعمله عبث وعقابه على ما لم يفعله ظلم ، فيبطل كونه مالكا ليوم الدين . قلنا : خلق الجنة وخلق أهلا لها ، وخلق النار وخلق أهلا لها ، وذلك أن له صفة لطف وصفة قهر كما ينبغي لكل ملك . فخلق لكل صفة مظهرا ولا يسأل عما يفعل ، لأن كل سؤال ينقلب فهو باطل . الخامسة : في هذه السورة من أسماء اللّه تعالى خمسة : اللّه ، الرب ، الرحمن ، الرحيم ، المالك . كأنه يقول : خلقتك أولا فأنا اللّه ، ثم ربيتك بأصناف النعم فأنا الرب ، ثم