ابن قيم الجوزية
70
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » وهذان الأصلان - وهما التوكل والعبادة - قد ذكر في القرآن في عدة مواضع ، قرن بينهما فيها ، هذا أحدها . الثاني : [ قوله تعالى في حكاية عن شعيب ] « 1 » : 11 : 88 وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . الثالث : قوله تعالى : 11 : 123 : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ . الرابع : قوله تعالى حكاية عن المؤمنين 60 : 4 رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . الخامس : قوله تعالى : 73 : 8 و 9 وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا . السادس : قوله تعالى : 3 : 13 قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * . فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين وهما « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها ، والاستعانة وسيلة إليها ، ولأن « إياك نعبد » متعلق بألوهيته واسمه « اللّه » و « إياك نستعين » متعلق بربوبيته واسمه الرب . فقدم « إياك نعبد » على « إياك نستعين » كما تقدم اسم اللّه على الرب في أول السورة ، ولأن « إياك نعبد » قسم الرب . فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على اللّه تعالى ، لكونه أولى به ، و « إياك نستعين » قسم العبد ، فكان مع الشطر الذي له ، وهو « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » إلى آخر السورة .
--> ( 1 ) وردت في المطبوع : قول شعيب .