ابن قيم الجوزية
71
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ولأن العبادة المطلقة : تتضمن الاستعانة ، من غير عكس . فكل عابد للّه عبودية تامة : مستعين به ، ولا ينعكس ، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته . فكانت العبادة أكمل وأتم . ولهذا كانت قسم الرب ، ولأن الاستعانة جزء من العبادة ، من غير عكس ، ولأن الاستعانة طلب منه ، والعبادة طلب له ، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص ، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص ، ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك ، والاستعانة طلب العون على العبادة . وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك ، وأداء حقه : أهم من التعرض لصدقته . ولأن العبادة شكر نعمته عليك ، واللّه يجب أن يشكر ، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك . فإذا التزمت عبوديته ، ودخلت تحت رقّها أعانك عليها ، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة . وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من اللّه له أعظم . والعبودية محفوفة بإعانتين : إعانة قبلها على التزامها والقيام بها ، وإعانة بعدها على عبودية أخرى ، وهكذا أبدا ، حتى يقضي العبد نحبه ، ولأن « إياك نعبد » له . و « إياك نستعين » به ، وما له مقدم على ما به . لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه . وما به متعلق بمشيئته ، وما تعلق بمحبته أكمل مما تتعلق بمشيئته ، فإن الكون كله متعلق بمشيئته . والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار ، والطاعات والمعاصي . والمتعلق بمحبته : طاعاتهم وإيمانهم . فالكفار أهل مشيئة ، والمؤمنون أهل محبته . ولهذا لا يستقر في النار شيء للّه أبدا . وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته . فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم « إياك نعبد » على « إياك نستعين » . وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين ففيه : أدبهم مع اللّه بتقديم اسمه على فعلهم وفيه الاهتمام وشدة العناية به ، وفيه الإيذان بالاختصاص المسمى بالحصر . فهو في قوة : لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك ،