ابن قيم الجوزية
692
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان ، فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها . وكم من حرب جرتها كلمة واحدة . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ « وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم » و في الترمذي « أن رجلا من الأنصار توفّي فقال بعض الصحابة : طوبى له . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فما يدريك ؟ فلعله تكلم بما لا يعنيه ، أو بخل بما لا ينقصه » . وأكثر المعاصي : إنما يولدها فضول الكلام والنظر . وهما أوسع مداخل الشيطان . فإن جارحتيهما لا يملان ، ولا يسأمان ، بخلاف شهوة الباطن . فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام . وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام ، فجنايتهما متسعة الأطراف ، كثيرة الشعب ، عظيمة الآفات . وكان السلف يحذرون من فضول النظر ، كما يحذرون من فضول الكلام ، كانوا يقولون : ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان . وأما فضول الطعام : فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر ، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي ، ويثقلها عن الطاعات . وحسبك بهذين شرا . فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام ؟ وكم من طاعة حال دونها ؟ . فمن وقى شر بطنه فقد وقى شرا عظيما . والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام . ولهذا جاء في بعض الآثار « ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن » . ولو لم يكن في الامتلأ من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر اللّه عز وجل ، وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان ووعده ، ومنّاه وشهّاه ، وهام به في كل واد . فإن النفس إذا شبعت تحركت