ابن قيم الجوزية

678

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

من الانتفاع به . فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه ، لا يفتر ولا يني . فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ، ولا يضعها عنه إلى الموت ، ومتى وضعها أسر أو أصيب ، فلا يزال في جهاد حتى يلقى اللّه . فتأمل هذا الفصل . وتدبر موقعه ، وعظيم منفعته ، واجعله ميزانك تزن به الناس ، وتزن به الأعمال . فإنه يطلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق . واللّه المستعان ، وعليه التكلان . ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعا لمن تدبره ووعاه . فصل وتأمل السر في قوله تعالى : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ولم يقل : في قلوبهم والصدر : هو ساحة القلب وبيته . فمنه تدخل الواردات إليه ، فتجتمع في الصدر ثم تلج في القلب . فهو بمنزلة الدهليز له . ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر ، ثم تتفرق على الجنود . ومن فهم هذا فهم قوله تعالى : 3 : 154 وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ . فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته ، فيلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب ، فهو موسوس في الصدر . ووسوسته واصلة إلى القلب . ولهذا قال تعالى : 20 : 120 فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ولم يقل « فيه » لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك ، وأوصله إليه . فدخل في قلبه . فصل وقوله تعالى : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ اختلف المفسرون في هذا الجار والمجرور : بم يتعلق ؟ .