ابن قيم الجوزية
679
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فقال الفرّاء وجماعة : هو بيان للناس الموسوس في صدورهم . والمعنى : يوسوس في صدور الناس الذين هم من الجن والإنس ، أي الموسوس في صدورهم قسمان : إنس وجن . فالوسواس يوسوس للجني ، كما يوسوس للانسي . وعلى هذا القول : فيكون « مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ » نصب على الحال . لأنه مجرور بعد معرفة ، على قول البصريين . وعلى قول الكوفيين : نصب بالخروج من المعرفة . هذه عبارتهم . ومعناها : أنه لما لم يصلح أن يكون نعتا للمعرفة انقطع عنها . فكان موضعه نصبا . والبصريون يقدرونه حالا . أي كائنين من الجنة والناس . وهذا القول ضعيف جدا ، لوجود : أحدها : أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدر الجني . ويدخل فيه ، كما يدخل في إنسي ، ويجري منه مجراه من الإنسي . فأي دليل يدل على هذا ، حتى يصح حمل الآية عليه ؟ . الثاني : أنه فاسد من جهة اللفظ أيضا . فإنه قال : « الذي يوسوس في صدور الناس » فكيف يبين الناس بالناس . فإن معنى الكلام على قوله : يوسوس في صدور الناس الذين هم ، أو كائنين ، من الجنة والناس . أفيجوز أن يقال : في صدور الناس الذين هم من الناس وغيرهم ؟ هذا ما لا يجوز ، ولا هو في الاستعمال فصيح . الثالث : أن يكون قد قسم الناس إلى قسمين : جنة ، وناس . وهذا غير صحيح . فإن الشيء لا يكون قسيم نفسه . الرابع : أن « الجنة » لا يطلق عليهم اسم الناس بوجه ، لا أصلا ولا اشتقاقا ولا استعمالا . ولفظهما يأبى ذلك . فإن الجن إنما سمو جنّا من الاجتنان ، وهو الاستتار . فهم مستترون عن أعين البشر . فسمو جنّا لذلك ،