ابن قيم الجوزية
677
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الخامسة : وهي اشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب ، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها . فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة ، وكان حافظا لوقته ، شحيحا به ، يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها ، وما يقابلها من النعيم والعذاب : نقله إلى المرتبة السادسة وهي : أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ، ليزيح عنه الفضيلة ، ويفوته ثواب العمل الفاضل ، فيأمره بفعل الخير المفضول ، ويحضه عليه ، ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه . وقلّ من يتنبه لهذا من الناس . فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة . فإنه لا يكاد يقول : إن هذا الداعي من الشيطان فإن الشيطان لا يأمر بخير ، ويرى أن هذا خير ، فيقول : هذا الداعي من اللّه . وهو معذور . ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير ، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر ، وإما ليفوّت بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا وأجل وأفضل . وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من اللّه يقذفه في قلب العبد ، يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند اللّه . وأحبها إليه وأرضاها له ، وأنفعها للعبد ، وأعمها نصيحة للّه ولرسوله ، ولكتابه ، ولعبادة المؤمنين ، خاصتهم وعامتهم ، ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونوابه في الأمة ، وخلفائه في الأرض . وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك . فلا يخطر ذلك بقلوبهم . واللّه يمنّ بفضله على من يشاء من عباده . فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيي عليه : سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع ، والتحذير منه ، وقصد إخماله وإطفاءه ليشوش عليه قلبه . ويشغل بحربه فكره ، وليمنع الناس