ابن قيم الجوزية
651
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
إليه في محل خواطر نفسه ، وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئا فشيئا ، حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية . فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب ، والتقرب إليه وتملقه وترضيه ، واستعطافه وذكره ، كما يذكر المحب التام المحبة محبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه . فلا يستطيع قلبه انصرافا عن ذكره ، ولا روحه انصرافا عن محبته . فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه ، والطريق إلى الانتقام منه ، والتدبير عليه ؟ هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة اللّه وإجلاله ، وطلب مرضاته . بل إذا مسّه طيف من ذلك واجتاز ببابه من خارج ، ناداه حرس قلبه : إياك وحمى الملك . اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حلّ فيها ، ونزل بها . مالك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك وأدار عليه الحرس ، وأحاطه بالسور ، قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس : أنه قال : 38 : 82 ، 83 فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فقال تعالى : 15 : 42 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * وقال : 16 : 99 ، 100 إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ وقال في حق الصديق يوسف صلّى اللّه عليه وسلّم : 12 : 24 كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ . فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن ، وصار داخل اليزك ، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصّن به . ولا ضيعة على من آوى إليه ، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * . السبب السابع : تجريد التوبة إلى اللّه من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه . فإن اللّه تعالى يقول : 42 : 30 وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما