ابن قيم الجوزية
652
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وقال لخير الخلق ، وهم أصحاب نبيه دونه صلّى اللّه عليه وسلّم : 3 : 165 أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ : أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه ، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها . وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره . و في الدعاء المشهور « اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم . واستغفرك لما لا أعلم » . فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه . فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب . ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه ، فقال له : قف حتى أدخل البيت ، ثم أخرج إليك . فدخل فسجد للّه وتضرع إليه وتاب ، وأناب إلى ربه . ثم خرج إليه فقال له : ما صنعت ؟ فقال : تبت إلى اللّه من الذنب الذي سلطك به عليّ . وسنذكر إن شاء اللّه تعالى أنه ليس في الوجود شر إلّا الذنوب وموجباتها . فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها . فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنقع له من التوبة النصوح . وعلامة سعادته : أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه ، فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها . فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به ، بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه . واللّه يتولى نصرته وحفظه ، والدفع عنه ولا بد . فما أسعده من عبد ، وما أبركها من نازلة نزلت به . وما أحسن أثرها عليه ، ولكن التوفيق والرشد بيد اللّه . لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع . فما كل أحد يوفق لهذا . لا معرفة به ، ولا إرادة له ، ولا قدرة عليه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه .