ابن قيم الجوزية

635

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به ، مع أن هذا تغيير في إحساسهم ، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم ؟ وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس والبدن ؟ فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركا ، والمتصل منفصلا ، والميت حيا ، فما المحيل لأن يغير صفات نفسه ، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضا ، والبغيض محبوبا ، وغير ذلك من التأثيرات . وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم 7 : 155 سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ فبين سبحانه أن أعينهم سحرت . وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي ، وهو الحبال والعصيّ ، مثل أن يكون السحرة استغاثت بأرواح حركتها ، وهي الشياطين . فظنوا أنها تحركت بأنفسها . وهذا كما إذا جرّ من لا تراه حصيرا أو بساطا فترى الحصير والبساط ينجر ، ولا ترى الجار له ، مع أنه هو الذي يجره ، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين ، فقلبتها كتقليب الحية . فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها ، والشياطين هم الذين يقلبونها . وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي . حتى رأى الحبال والعصي تتحرك ، وهي ساكنة في أنفسها . ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا ، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه ، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به ، وتارة يتصرف في المرئي باستغاثته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها . وأما ما يقوله المنكرون : من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيها ، مثل الزئبق وغيره ، حتى سعت . فهذا باطل من وجوه كثيرة . فإنه لو كان كذلك لم يكن هذا خيالا ، بل حركة حقيقية . ولم يكن ذلك سحرا لأعين الناس ، ولا يسمى ذلك سحرا ، بل صناعة من الصناعات المشتركة . وقد قال تعالى : 20 : 66 فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ولو كانت تحركت بنوع حيلة - كما يقوله المنكرون - لم يكن هذا من السحر في شيء . ومثل هذا لا يخفى .