ابن قيم الجوزية
636
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وأيضا لو كان ذلك بحيلة - كما قال هؤلاء - لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزيبق . وبيان ذلك المحال ولم يحتج إلى إلقاء العصا لابتلاعها . وأيضا : فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة ، بل يكفي فيها حذاق الصاع . ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة ، وخضوعه لهم ، ووعدهم بالتقريب والجزاء . وأيضا : فإنه لا يقال في ذلك 20 : 71 ، 26 : 49 إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ * فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها . وبالجملة : فبطلان هذا أظهر أن يتكلف رده ، فلنرجع إلى المقصود . فصل الشر الرابع : شر الحاسد إذا حسد . وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود . فنفس حسده شر متصل بالمحسود من نفسه وعينه وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه . فإن اللّه تعالى قال : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ فحقق الشر منه عند صدور الحسد . والقرآن ليس فيه لفظة مهملة . ومعلوم أن الحاسد لا يسمى حاسدا إلا إذا قام به الحسد ، كالضارب ، والشاتم ، والقاتل ونحو ذلك . ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود ، لاه عنه ، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعث نار الحسد من قلبه إليه ، وتوجهت إليه سهام الحسد من قبله . فيتأذى المحسود بمجرد ذلك . فإن لم يستعذ باللّه ويتحصن به ، ويكون له أوراد من الأذكار والدعوات والتوجه إلى اللّه والإقبال عليه ، بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على اللّه ، وإلا ناله شر الحاسد ولا بد . فقوله تعالى : إِذا حَسَدَ بيان لأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل .