ابن قيم الجوزية

588

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وحرصا على مخالفته في العبادة . وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ « ما » لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية . وقيل في ذلك وجه رابع ، وهو : قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ و فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ فكذلك لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ومعبودهم لا يعقل . ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ فاستوى اللفظان ، وإن اختلف المعنيان ، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل هذا ، بل لا يجيء إلا « من » كقوله ؛ قل أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ؟ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ * ؟ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ؟ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ؟ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ؟ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ؟ إلى أمثال ذلك . وعندي فيه وجه خامس ، أقرب من هذا وهو : أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها ، فأتى ب « ما » الدالة على هذا المعنى . كأنه قيل : ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق . ولو أتى بلفظة « من » لكانت إنما تدل على الذات فقط ، ويكون ذكر الصلة تعريفا ، لا أنه هو جهة العبادة . ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد ، وبين أن يكون تعريفا محضا أو وصفا مقتضيا لعبادته . فتأمله فإنه بديع جدا . وهذا معنى قوله النحاة : إن « ما » تأتي لصفات من يعلم . ونظيره فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ لما كان المراد الوصف ، وأن السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح ، وقصده - وهو الطيب - فتنكح المرأة الموصوفة به : أتى ب « ما » دون « من » ، وهذا باب لا ينخرم ، وهو من ألطف مسالك العربية . وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا ، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك ، وهي