ابن قيم الجوزية
577
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وسلطانه وقوته وأسبابه ، فيقال له « كلا » لا سبيل لك إلى الرجعة ، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر . ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله ، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة : هو قائلها ، لا حقيقة تحتها ، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا . لو أجيب . وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه ، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه ، وإنه من الكاذبين . فحكمة أحكم الحاكمين ، وعزته وعلمه وحمده ، يأبى إجابته إلى ما سأل . فإنه لا فائدة من ذلك . ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى ، كما قال تعالى : 6 : 27 وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ، فَقالُوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ . وقوله : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جوابه محذوف ، دل عليه ما تقدم ، أي لما ألهاكم التكاثر ، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين ، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات ، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها . ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه ، ولترتب أثره عليه . فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه . فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد . فإذا صار عين يقين ، كجملة المشاهدات ، كان تخلّف موجبه عنه اندر شيء . وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي اللّه عنه في أهل بدر : سرنا ، وساروا إلى بدر ، لحتفهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا