ابن قيم الجوزية

513

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

بهذا الإيلاد وجعلوا هذا النسب متولدا بينه وبين الجن . وأما قوله : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ فالضمير يرجع إلى الجنة ، أي قد علمت الجنة أنهم محضرون الحساب . قاله مجاهد ، أي لو كان بينه وبينهم نسب لم يحضروا الحساب ، كما قال تعالى : 5 : 18 وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ فجعل سبحانه عقوبتهم بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلا لدعواهم الكاذبة . وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأول فتأمله . الاسم الثاني : دار السلام ، وقد سماها اللّه تعالى بهذا الاسم في قوله : 6 : 127 لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقوله : 10 : 25 وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وهي أحق بهذا الاسم . فإنها دار السلامة من كل بلية وآفة ومكروه . وهي دار اللّه . واسمه سبحانه وتعالى « السلام » الذي سلمها وسلم أهلها ، وتحيتهم فيها سلام وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ والرب تعالى يسلم عليهم من فوقهم ، كما قال تعالى : 36 : 57 ، 58 لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ . سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وحديث جابر في سلام الرب تعالى على أهل الجنة . وكلامهم كله فيها سلام ، أي لا لغو فيها ، ولا فحش ولا باطل ، كما قال تعالى : 19 : 62 لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً . وأما قوله تعالى : 56 : 90 ، 91 وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فأكثر المفسرين حاموا حول المعنى ، وما وردوه . وقالوا أقوالا لا يخفي بعدها عن المقصود . وإنما معنى الآية - واللّه أعلم - فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا حال كونك من أصحاب اليمين ، أي فسلام لك كائنا من أصحاب اليمين الذين سلموا من الدنيا وأنكادها ، ومن النار وعذابها ، فبشر بالسلامة عند ارتحاله