ابن قيم الجوزية

376

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ فقول الملائكة « اليوم تجزون عذاب الهون » المراد به : عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت . ونظيره قوله تعالى : 8 : 51 وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ فهذه الإذاقة هي في البرزخ . وأولها حين الوفاة فإنه معطوف على قوله : يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وهو من القول المحذوف مقولة لدلالة الكلام عليه . كنظائره . وكلاهما واقع وقت الوفاة وفي الصحيح عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه « 1 » في قوله تعالى : 14 : 27 يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ قال « نزلت في عذاب القبر » والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر . والمقصود : أن اللّه سبحانه أخبر أن من أعرض عن ذكره - وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى - فإن له معيشة ضنكا . وتكفل لمن حفظ عهده أن يحييه حياة طيبة ، ويجزيه أجره في الآخرة . فقال تعالى : 16 : 97 مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فأخبر سبحانه عن فلاح من تمسك بعهده علما وعملا في العاجلة بالحياة الطيبة وفي الآخرة بأحسن الجزاء . وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ونسيانه في العذاب بالآخرة .

--> ( 1 ) هو أبو عمارة البراء بن عازب الأنصاري الحارثي نزيل الكوفة كان من أقران ابن عمر استصغر يوم بدر ، توفي سنة اثنين وسبعين ( انظر شذرات الذهب ) .