ابن قيم الجوزية
377
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وقال سبحانه : 43 : 36 ، 37 وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ فأخبر سبحانه أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعشوه عن ذكره الذي أنزله على رسوله . فكان عقوبة هذا الأعراض أن قيض له شيطانا يقارنه ، فيصده عن سبيل ربه ، وطريق فلاحه . وهو يحسب أنه مهتد ، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينة ، وعاين هلاكه وإفلاسه . قال : 43 : 38 يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ . وكل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر اللّه فلا بد أن يقول هذا يوم القيامة . فإن قيل : فهل لهذا عذر في ضلاله ؟ إذ كان يحسب أنه على هدى ، كما قال تعالى : 7 : 30 وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * . قيل : لا عذر لهذا لا لأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولو ظن أنه مهتد . فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى . فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه . وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة ، وعجزه عن الوصول إليها . فذاك له حكم آخر . والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول . وأما الثاني : فإن اللّه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه ، كما قال تعالى : 17 : 15 وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وقال تعالى : 4 : 165 رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وقال تعالى في أهل النار : 43 : 76 وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وقال تعالى : 39 : 56 - 59 أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ، وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ : لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ