ابن قيم الجوزية

37

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وسكران ولهفان لمن ملئ بذلك ؟ فبناء فعلان للسعة والشمول . ولهذا يقرن استواؤه على العرش بهذا الاسم كثيرا كقوله تعالى : 20 : 5 الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى 25 : 59 ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فاستوى على عرشه باسم الرحمن ، لأن العرش محيط بالمخلوقات ، قد وسعها . والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم ، كما قال تعالى : 7 : 156 وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات . فلذلك وسعت رحمته كل شيء . وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لما قضى اللّه الخلق كتب في كتاب ، فهو عنده موضوع على العرش : إن رحمتي تغلب غضبي » و في لفظ « فهو وضع عنده على العرش » . فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ، ووضعه عنده على العرش ، وطابق بين ذلك وبين قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى وقوله : 26 : 156 ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم . وصفات العدل ، والقبض والبسط . والخفض والرفع . والعطاء والمنع ، والإعزاز والإذلال ، والقهر والحكم ، ونحوها : أخص باسم « الملك » وخصه بيوم الدين ، وهو الجزاء بالعدل ، لتفرده بالحكم فيه وحده ، ولأنه اليوم الحق ، وما قبله كساعة . ولأنه الغاية ، وأيام الدنيا مراحل إليه . فصل وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة . وهي : « اللّه ، والرب ، والرحمن » كيف نشأ عنها الخلق ، والأمر ، والثواب ، والعقاب ؟