ابن قيم الجوزية
38
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وكيف جمعت الخلق وفرقتهم ؟ فلها الجمع والفرق . فاسم « الرب » له الجمع الجامع لجميع المخلوقات . فهو رب كل شيء وخلقه ، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته . وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته ، وتحت قهره . فاجتمعوا بصفة الربوبية ، وافترقوا بصفة الإلهية ، فألّهه وحده السعداء ، وأقروا له طوعا بأنه اللّه الذي لا إله إلا هو ، الذي لا تنبغي الغبادة والتوكل ، والرجاء والخوف ، والحب والإنابة والإخبات والخشية ، والتذلل والخضوع إلا له . وهاهنا افترق الناس وصاروا فريقين : فريقا مشركين في السعير ، وفريقا موحدين في الجنة . فالإلهية هي التي فرقتهم ، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم فالدين والشرع ، والأمر والنهي ، مظهره وقيامه : من صفة الإلهية ، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل : من صفة الربوبية . والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار : من صفة الملك . وهو ملك يوم الدين . فأمرهم بإلهيته ، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته . وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله . وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى . وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين اللّه وبين عباده . فالتأليه منهم له ، والربوبية منه لهم . والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده ، بها أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبها هداهم ، وبها أسكنهم دار ثوابه ، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم . فبينهم وبينه سبب العبودية ، وبينه وبينهم سبب الرحمة . واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته ، ف الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى مطابق لقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها ، فوسع كل شيء برحمته وربوبيته ، مع أن في كونه ربا