ابن قيم الجوزية
297
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
سورة الأنفال بسم اللّه الرحمن الرحيم [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 17 ] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) قلت اعتقد جماعة أن المراد بالآية : سلب فعل الرسول عنه ، وإضافته إلى الرب تعالى ، وجعلوا ذلك أصلا في الجبر ، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد ، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده . وهذا أغلظ منهم في فهم القرآن ، فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال . فيقال : ما صليت ، وما صمت إذا صمت ، وما ضحيت إذ ضحيت ، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته ، ولكن اللّه فعل ذلك . فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم ، إذ لا فرق . فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها ، أو رميه وحده ، تناقضوا ، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية . وبعد : فهذه الآية نزلت في شأن رميه صلّى اللّه عليه وسلّم المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء ، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته . ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ ، فكان منه صلّى اللّه عليه وسلّم مبدأ الرمي وهو الحذف ومن اللّه سبحانه وتعالى نيابة ، وهو الإيصال . فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفي عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته .