ابن قيم الجوزية
298
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ونظير هذا قوله في الآية نفسها : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ثم قال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى فأخبر أنه وحده هو الذي تفرد بقتلهم ، ولم يكن ذلك بكم أنتم ، كما تفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم ، ولم يكن ذلك من رسوله . ولكن وجه الإشارة بالآية : أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة لدفع المشركين ، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس . فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه ، وبه ، وهو خير الناصرين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 24 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) فتضمنت هذه الآية أمورا . أحدها : أن الحياة النافعة إنما تحصل باستجابة للّه ولرسوله ، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له ، وإن كانت له حياة بهيمية ، مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات . فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب للّه ولرسوله ظاهرا وباطنا . فهؤلاء هم الأحياء ، وإن ماتوا وغيرهم أموات وأن كانوا أحياء الأبدان . ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة . فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة . وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول . قال مجاهد لِما يُحْيِيكُمْ يعني : للحق . وقال قتادة : هو هذا القرآن ، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة . وقال السدي : هو الإسلام ، أحياهم به بعد موتهم بالكفر . قال بن إسحاق وعروة بن الزبير - واللفظ له - لما يحييكم : يعني للحرب التي أعزكم اللّه بها بعد الذل ، وقواكم بها بعد الضعف ، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم .