ابن قيم الجوزية
29
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فأما توحيد العلم : فمداره على إثبات صفات الكمال ، وعلى نفي التشبيه والمثال . والتنزيه عن العيوب والنقائص . وقد دل على هذا شيئان : مجمل ، ومفصل . أما المجمل : فإثبات الحمد له سبحانه . وأما المفصل : فذكر صفة الإلهية والربوبية ، والرحمة والملك . وعلى هذا الأربع مدار الأسماء والصفات . فأما تضمن الحمد لذلك : فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ، ونعوت جلاله ، مع محبته والرضا عنه والخضوع له ، فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود ، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له . وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل ، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها . ولهذا كان الحمد كله للّه حمدا لا يحصيه سواه ، لكمال صفاته وكثرتها . ولأجل هذا لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه ، لما له من صفات الكمال ، ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه . ولهذا ذم اللّه تعالي آلهة الكفار ، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها . فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر ، ولا تتكلم ولا تهدى ، ولا تنفع ولا تضر . وهذه صفة إله الجهمية ، التي عاب بها الأصنام ، نسبوها إليه ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام في محاجّته لأبيه : 19 : 42 يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر : وأنت إلهك بهذه المثابة ، فكيف تنكر عليّ ؟ لكن كان مع شركه أعرف باللّه من الجهمية . وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه ، وقال تعالى : 7 : 148 وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ . أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ؟ اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ فلو كان إله الخلق سبحانه كذلك لم يكن في هذا إنكار عليهم ، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك .