ابن قيم الجوزية
30
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فإن قيل : فاللّه تعالى لا يكلم عباده . قيل : بلى ، قد كلمهم ، فمنهم من كلمه اللّه من وراء حجاب ، منه إليه بلا واسطة ، كموسى . ومنهم من كلمه اللّه على لسان رسوله الملكي . وهم الأنبياء . وكلم اللّه سائر الناس على ألسنة رسله . فأنزل عليهم كلامه الذي بلغته رسله عنه . وقالوا لهم : هذا كلام اللّه الذي تكلم به وأمرنا بتبليغه إليكم . ومن هاهنا قال السلف : من أنكر كون اللّه متكلما فقد أنكر رسالة الرسل كلهم . لأن حقيقتها تبليغ كلامه الذي تكلم به إلى عباده ، فإذا انتفى كلامه انتفت الرسالة وقال تعالى في سورة طه عن السامري 20 : 88 فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ، فَنَسِيَ . أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ؟ ورجع القول : هو التكلم والتكليم . قال تعالى : 16 : 76 ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ، وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ، أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ، هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ، وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فجعل نفي صفات الكلام موجبا لبطلان الإلهية . وهذا أمر معقول بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية : أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ، ولا مدبرا ، ولا ربّا ، بل هو مذموم معيب ناقص ، ليس له الحمد لا في الأولى ، ولا في الآخرة . وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، التي لأجلها استحق الحمد . ولهذا سمي السلف كتبهم التي صنفوها في السنة وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه ، وكلامه وتكليمه : توحيدا . لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع ، وجحد له ، وإنما توحيده : إثبات صفات كماله ، وتنزيهه عن الشبيه والنقائص . فجعل المعطلة جحد الصفات وتعطيل الصانع عنها توحيدا ، وجعلوا إثباتها للّه تشبيها وتجسيما وتركيبا . فسموا الباطل باسم الحق ، ترغيبا فيه ، وزخرفا ينفقونه به . وسموا الحق باسم الباطل تنفيرا عنه ، والناس أكثرهم مع ظاهر السّكّة ، ليس لهم نقد النقاد : 18 : 17 مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ