ابن قيم الجوزية

288

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

الفطريين - للمعروف : إلا ما أمر به ، فصار معروفا بالأمر فقط ، ولا للمنكر : إلا ما نهى عنه . فصار منكرا بنهيه فقط فأي معنى لقوله تعالى : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ . وهل حاصل ذلك زائد على أن يقال : يأمرهم بما يأمرهم به ، وينهاهم عما ينهاهم عنه ؟ . وهذا كلام ينزه عنه كلام آحاد العقلاء ، فضلا عن كلام رب العالمين . وهل دلت الآية إلا على أنه أمرهم بالمعروف الذي تعرفه العقول ، وتقر بحسنه الفطر ، فأمرهم بما هو معروف في نفسه عند كل عقل سليم . ونهاهم عما هو منكر في الطباع والعقول بحيث إذا عرض أمره ونهيه على العقل السليم قبله أعظم قبول ، وشهد بحسنه كما قال بعض الأعراب ، وقد سئل : بم عرفت أنه رسول اللّه ؟ فقال : ما أمر بشيء فقال العقل : ليته ينهي عنه . ولا نهى عن شيء ، فقال : ليته أمر به . فهذا الاعرابي أعرف باللّه ودينه ورسوله من هؤلاء ، وقد أقر عقله وفطرته بحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه ، حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد رسالته . ولو كان جهة كونه معروفا ومنكرا هو الأمر المجرد لم يكن فيه دليل . بل كان يطلب له الدليل من غيره . ومن سلك ذلك المسلك الباطل لم يمكنه أن يستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ودينه . ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به ، والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه ، وشواهد نبوته . ومن يثبت لذلك صفات وجودية أوجبت حسنه وقبول العقول ولضده صفات أوجبت قبحه ونفور العقل عنه ، فقد سد على نفسه باب الاستدلال بنفس الدعوة ، وجعلها مستدلا عليه فقط .