ابن قيم الجوزية
289
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى : 7 : 157 وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ فهذا صريح في أن الحلال كان طيبا قبل حله . وأن الخبيث كان خبيثا قبل تحريمه . ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين . أحدهما : أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج اللّه بها على أهل الكتاب فقال : 7 : 157 الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ، الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل . فإنه بمنزلة أن يقال : يحل لهم ما يحل ، ويحرم عليهم ما يحرم . وهذا أيضا باطل . فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني . فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل ، فكساه بإحلاله طيبا آخر ، فصار منشأ طيبه من الوجهين معا . فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار الشريعة ، ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها . وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين : أن تكون بخلاف ما وردت به . وأن اللّه تعالى منزه عن ذلك ، كما يتنزه عن سائر ما يليق به . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 175 إلى 176 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 )