ابن قيم الجوزية
270
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الاعتراض الثاني : أن هذا إن ادعى على وجه العموم فباطل ، وإن ادعى على سبيل الخصوص فما الضابط وما الفرق بين ما يسوغ فيه هذا الاستعمال وما لا يسوغ ؟ . الاعتراض الثالث : أن العرب قد نطقت في فعيل بالتاء وهو بمعنى مفعول وجردته من التاء وهو بمعنى فاعل قال جرير يرثي خالته : نعم القرين وكنت علق مضنة * وارى بنعق بلية الأحجار فجرد القرين من التاء وهو بمعنى فاعل . وقال : فسقاك حيث حللت غير فقيدة * هزج الرواح وديمة لا تقلع فقرن فقيده بالتاء وهو فعيل بمعنى مفعول أي غير مفقودة . وقال الفرزدق : فداويته عامين وهي قريبة * أراها وتدنو لي مرارا وأرشف ويقولون : امرأة فتين وسريح وهريت فجردوه عن التاء ، وهو بمعنى فاعل وقالوا : امرأة فروك وهلوك ورشوف وأنوف ورضوف فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور . وقالوا امرأة عروب فجردوه أيضا ثم قالوا امرأة ملولة وفروقة فقرنوه بالتاء وهو بمعنى فاعل أيضا . ودعوى أن التاء هاهنا للمبالغة لا دليل عليها فقد رأيت اشتراك فعول وفعيل في الاقتران بالتاء والتجرد منها . فدعوى أصالة المجرد منهما وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها ومع مقابلها قياس اللغة في اقتران المؤنث وتجريد المذكر . وأما ما استشهد تم به من قوله تعالى : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فهو على وفق قياس العربية ، فإن العظام جمع عظم وهو مذكر ولكن جمعه جمع تكسير وجمع التكسير جوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة وباعتباره قال : « وهي » ولم يقل وهو . ويراعى فيه معنى الواحد وباعتباره قال « رميم » كما يقال : عظم « رميم » مع أن رميما يطلق على المذكر مفردا وجمعا . قال جرير : آل المهلب جذ اللّه دابرهم * أمسوا رميما فلا أصل ولا طرف