ابن قيم الجوزية
271
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فهذا الاعتراض على هذا المسلك . فصل المسلك الثاني : أن قريبا في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر : أري رجلا منهم أسيفا كأنما * يضم إلى كشحيه كفا مخضبا فكف مؤنث ولكن تأويله بمعنى عضو وطرف فذكر صفته فكذلك تؤوّل الرحمة وهي مؤنثة بالإحسان فيذكر خبرها . قالوا وتأويل الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكف بعضو لوجهين أحدهما : أن الرحمة معنى قائم بالراحم والإحسان هو بر المرحوم ومعنى القرب في البر من الحسنين أظهر منه في الرحمة . الثاني : أن ملاحظة الإحسان بالرحمة الموصوفة بالقرب من المحسنين هو مقابلة للإحسان الذي صدر منهم باعتبار المقابلة ازداد المعنى قوة واللفظ جزالة حتى كأنه قال إن إحسان اللّه قريب من أهل الإحسان ، كما قال تعالى : 55 : 60 هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فذكر قريبا ليفهم منه أنه صفة المذكر وهو الإحسان فيفهم المقابلة المطلوبة . قالوا : ومن تأويل بمذكر ما أنشده الفراء : وقائع في مضر تسعة * وفي وائل كانت العاشرة فتأول الوقائع وهو مؤنثة بأيام الحرب المذكرة فأنث العدد الجاري عليها فقال « تسعة » ولولا هذا التأويل لقال تسع لأن الوقائع مؤنثة . قالوا : وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال : جاءته كتابي أي صحيفتي . وفي قول الشاعر : يا أيها الراكب المربى مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت