ابن قيم الجوزية
237
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وأما الإتمام فيكون في الإيمان والمعاني ، ونعم اللّه أعيان وأوصاف ومعان . وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه . فكانت نسبة الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة أحسن ، كما كانت إضافة الدين إليهم والنعمة إليه أحسن . والمقصود : أن هذه النعمة هي النعمة المطلقة ، وهي التي اختصت بالمؤمنين . وإذا قيل : ليس للّه على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو صحيح ، والنعمة الثانية : النعمة المقيدة كنعمة الصحة والغنى وعافية الجسد وبسطة الجاه ، وكثرة الولد والزوجة الحسنة ، وأمثال هذه . فهذه النعمة مشتركة بين البر والفاجر ، والمؤمن والكافر وإذا قيل : للّه على الكافر نعمة بهذا الاعتبار ، فهو حق . فلا يصح إطلاق السلب والإيجاب إلا على وجه واحد ، وهو أن النعمة المقيدة لما كانت استدراجا للكافر ، ومآلها إلى العذاب والشقاء ، فكأنها لم تكن نعمة ، وإنما كانت بلية ، كما سماها اللّه تعالى في كتابه كذلك . فقال تعالى : 89 : 15 ، 16 فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ، فَيَقُولُ : رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، فَيَقُولُ : رَبِّي أَهانَنِ . كَلَّا أي ليس كل من أكرمته في الدنيا ونعمته فيها فقد أنعمت عليه ، وإنما كان ذلك ابتلاء مني له واختبار ، ولا كل من قدرت عليه رزقه فجعلته بقدر حاجته بقدر فضلة أكون قد أهنته ، بل أبتلي عبدي بالنعم كما أبتليه بالمصائب . فإن قيل : كيف يلتئم هذا المعنى ويتفق مع قوله « فأكرمه » فأثبت له الإكرام ، ثم أنكر عليه قوله « ربي أكرمن » وقال « كلا » أي ليس ذلك إكراما مني هو ابتلاء ، فكأنه أثبت له الإكرام ونفاه . وقيل : الإكرام المثبت غير الإكرام المنفي ، وهما من جنس النعمة