ابن قيم الجوزية
236
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
النعمة نعمتان : نعمة مطلقة ونعمة مقيدة . فالنعمة المطلقة : هي المتصلة بسعادة الأبد ، وهي نعمة الإسلام والسنة ، وهي التي أمرنا اللّه سبحانه وتعالى أن نسأله في صلواتنا أن يهدينا صراط أهلها ، ومن خصهم بها ، وجعلهم أهل الرفيق الأعلى ، حيث يقول تعالى : 4 : 69 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ، وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة ، وأصحابها أيضا هم المعنيون بقول اللّه تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فأضاف الدين إليهم ، إذ هم المختصون بهذا الدين القيم دون سائر الأمم . والدين تارة يضاف إلى العبد ، وتارة يضاف إلى الرب ، فيقال : الإسلام دين اللّه الذي لا يقبل من أحد سواه ولهذا يقال في الدعاء : اللهم انصر دينك الذي أنزلت من السماء . ونسب الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة ، مع إضافتها إليه لأنه هو وليها ومسديها إليهم . وهم محل محض النعمة قابلين لها . ولهذا يقال في الدعاء المأثور للمسلمين « واجعلهم مثنين بها عليك ، قابليها ، وأتممها عليهم » وأما الدين فلما كانوا هم القائمين به ، الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبه إليهم ، فقال « أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » وكان الإكمال في جانب الدين والإتمام في جانب النعمة . واللفظتان - وإن تقاربتا وتواخيتا - فبينهما فرق لطيف يظهر عند التأمل . فإن الكمال أخص بالصفات والمعاني ، ويطلق على الأعيان والذوات ، ولكن باعتبار صفاتها وخواصها ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد » وقال عمر بن عبد العزيز « إن للإيمان حدودا وفرائض ، وسننا وشرائع ، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان » .